السيد كمال الحيدري
43
معرفة الله
صورها الذهنية وتذهب ما ذهبت تلك الصور ، وإنّما هي معرفة حضورية وجودية غير قابلة للزوال البتّة وإن كان حجبها ممكناً ، بل واقعاً أيضاً ، بل هو أكثريّ الوقوع ، كما هو واضح . وكون هذه المعرفة الفطرية التي هي الفطرة نفسها غير قابلة للزوال والتبديل فذلك تعبير آخر عن استحالة الجمع بين وجود الإنسان وذهاب فطرته . بعبارة أخرى : إنّ بطلان الفطرة مساو بل مساوق « 1 » إلى فناء الإنسان نفسه ، وحيث إنّ افتراض وجود الإنسان يستحيل معه رفع الإنسانية عنه فكذا الحال في المقام ، وهذا الارتباط الوجودي والوحدة الوجودية بين أصل وجود الإنسان وفطرته يؤكّد ويرسّخ ويُعمّق حقيقة حضورية هذه المعرفة . فإذا ما اتّضح لنا أنّ المعرفة الفطرية هي معرفة حضورية لا حصولية وأنّها الطريق الأقرب والأقصر للإنسان والأشمل للمعارف الإلهية بمراتبها الثلاث ، ينبغي لنا تحديد الآليات المناسبة للوصول إلى تلك المعرفة الحقّة ، ولا ريب أنّ جميع الوسائل والآليات المفترضة في العلوم الحصولية
--> ( 1 ) المساواة أعمّ من المساوقة ، فالمساواة هي اختلاف في المفهوم والحيثيّة واتّفاق في المصداق ، مثل الناطقية والضاحكية فهما مختلفان مفهوماً كما هو واضح ومتّفقان في الصدق على الإنسان ، ولكنّهما مختلفان في حيثيّة صدقهما على الإنسان ، فالناطقية حيثيّة ذاتية ، والضاحكية حيثيّة عرضيّة ، وأمّا المساوقة فهي اختلاف في المفهوم ، واتّفاق وانطباق في الحيثيّة والمصداق ، مثل صفات الله تعالى الذاتية فإنّ حيثيّة صدقها على الله تعالى واحدة وهي كونها عين الذات ، ومصداقها جميعاً واحد لا غير وهو الله تعالى ولكنّها مختلفة مفهوماً ، فمفهوم الحياة غير مفهوم القدرة ، وهكذا . وفي المقام يُراد الإشارة إلى أنّ هنالك مساوقة بين وجود الإنسان وفطرته ، فهما مختلفان مفهوماً ومتّفقان مصداقاً وحيثيّة .